ديربان الثاني بين القانون والسياسة
د. محمد خالد الأزعر
المستشار الثقافى لسفارة فلسطين بالقاهرة
في المقررات النهائية لمؤتمر ديربان الأول لمكافحة العنصرية والتمييز العنصري عام 2001 جرى انتزاع قلب الوثيقة التي أعدتها 3500 منظمة حقوقية مدنية غير حكومية، المتمثل في إدانة الصهيونية و"إسرائيل" من ناحية وإدانة عمليات الإبادة والاسترقاق والعبودية التي خضعت لها شعوب إفريقيا من ناحية أخرى..
وبذلك انحرف المؤتمر بشدة لجهة إعلانه ومقرراته عن المأمولات والتطلعات الفلسطينية والعربية الحكومية نسبياً وغير الحكومية بخاصة.. فعلاوة على تجاوزه فكرة التشهير بالعنصرية الصهيونية الإسرائيلية، إيديولوجية وسلوكاً، فانه لم يتضمن أية خطوات لكيفية معالجة ظاهرة العنصرية والتمييز العنصري في إطار القضية الفلسطينية.. كما أنه كرر على نحو ممل لغة الأمم المتحدة وخطابها التقليدي في ما يتعلق بحقوق الفلسطينيين وعملية التسوية.
حدث ذلك رغم أن المقاربة الفلسطينية والعربية لنموذج العنصرية والتمييز العنصري في سياقه الصهيوني الإسرائيلي/ الفلسطيني، لم تحد قيد شعرة عن المعايير والمواثيق المعتمدة عالمياً ودولياً لحقوق الإنسان الأساسية.. ولو أن قوى حقوقية قانونية غير فلسطينية ولا عربية هي التي تولت عرض هذا النموذج بأقصى درجات الموضوعية والنزاهة، لانتهت بدفوعها إلى ما انتهت إليه تلك المقاربة.
لكن الأمر أن المؤتمرين وقعوا فريسة السياسة والتسييس، هذا الداء المزمن المعطل لسيرورة الحقوق والقوانين في كثير من المواضع والقضايا والمناسبات. فيوم ذاك مارست الولايات المتحدة ومحازبيها ضغوطاً جبارة لأجل استبعاد الصهيونية ودولتها "إسرائيل" من دائرة الإدانة، وصولاً إلى التنكر للمؤتمر والاستخفاف بفعالياته برمتها.
ولم يكن المشاركون على قدر واحد من طاقة الصلابة والتحمل.. ففيما استعصت قوى المجتمع المدني العربي والمؤتلفين حولها من قارات أسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية واعتصمت بحبال القانون والاستقامة الحقوقية، تمكنت الضغوط من رقاب آخرين، بما في ذلك ماري روبنسون مفوضة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، التي رفضت تسلم وثيقة المنظمات غير الحكومية لتجريمها الزائد بنظرها ل"إسرائيل".
استطردنا إلى ذلك كله لنقول إن جماعة الحقوقيين والقانونيين من الفلسطينيين والعرب تقف اليوم، على أعتاب ديربان الثاني ومراجعاته وكشف حساباته، في المربعات ذاتها.. وقد نذهب إلى أن هذه الجماعة تواجه واقعاً أكثر انسداداً من البارحة، بما يجعلها فريسة أزمة كبيرة..
فالسنوات الثماني الماضية حملت كل ما يمكن تصوره من آيات العنصرية والتمييز العنصري الصهيونية الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني، هذا دون الحديث عن الانتهاكات التي اقترفتها دوائر غربية، رسمية وغير رسمية، بحق عوالم الآخرين ولاسيما من العرب والمسلمين على إثر أحداث الحادي عشر من سبتمبر، من تشويه للصورة الجمعية وكراهية للأجانب والمختلفين حتى وإن كانوا من المواطنين المتجنسين، هبوطاً إلى درك ازدراء الأديان والتعدي على حرمة الأنبياء والمرسلين.
ومع ذلك، فإن هذه المسافة الزمنية ذاتها شهدت أعلى مستويات التبجح، بل وشن الحروب وتقويض دول ذات سيادة بزعم الدفاع عن حقوق الإنسان ومحاربة القهر والتمييز العنصري!
يفترض من مشهد كهذا أن يبشر بمراجعة سهلة لما جرى بعد وثائق ديربان الأول.. إذ يستطيع المشاركون العدول أن يقيموا الحجة على فشل هذه الوثائق وما تحويه من شعارات وديباجات ومقررات في الارتقاء بقيم التسامح وبسط فضائل حقوق الإنسان وزحزحة العنصرية والتمييز العنصري عن مواقعهم في طول الخريطة العالمية وعرضها.
وتبدو إمكانية البرهنة على هذا الفشل أكبر فيما يخص الحالة الفلسطينية.. حيث حصاد سياسات التمييز والإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي مارستها "إسرائيل" في غزة ما زال ساخناً، والشهادات حوله تتوالى من كل حدب وصوب.
لكن مصدر الانسداد المتوقع على ما تقول الشواهد أن القوى التي أفشلت ديربان الأول وسفهت أحلام وثائقه ومقرراته عملياً، مازالت عاكفة على تبجحها وتسييسها للقضايا الحقوقية. وثمة ما يؤشر إلى إنها حشدت كل ما تملك أيمانها من أدوات في معرض التهديد والوعيد، قاصدة إلى تحويل ديربان الثاني إلى «مكلمة» جوفاء عوضاً عن كونه «محكمة» لمحاسبة المارقين والأشقياء..
ففي الاجتماع التحضيري العربي لمراجعة ديربان (القاهرة 28-19 آذار مارس 2009) ذكر عصام يونس مدير مركز الميزان الفلسطيني لحقوق الإنسان أن "إسرائيل" حجزت بفنادق فيينا، حيث سيعقد ديربان الثاني بين 20 و24 نيسان لأبريل، لأكثر من خمسة آلاف شخص، تم تجنيدهم للعمل لصالحها أثناء المؤتمر..!
ومن المعلوم أن الولايات المتحدة وكندا ودول أوروبية أخرى، علاوة على "إسرائيل"، أنذرت بمقاطعة المؤتمر من الأصل إن لم يستبعد من شواغله البحث في قضايا بعينها.. أبرزها العنصرية والتمييز العنصري الصهيوني الإسرائيلي وازدراء الأديان.
وللإنصاف، يلمس المتابع من ناحية أخرى أن المنظمات المدنية الفلسطينية والعربية الموصولة بمجابهة هاتين القضيتين ونحوهما، تنظيراً وتوثيقاً وتبياناً للمخاطر والتداعيات، على إدراك عميق بأبعاد المنازلة الحقوقية المغموسة بالسياسة التي تنتظرهم في ديربان الثاني.
ومن دلائل ذلك، اللقاءات التمهيدية واسعة النطاق التي تعتمل داخل هذه المنظمات وفيما بينها، وعمليات التنسيق والتشبيك التي تضطلع بها مع القوى المناظرة في مختلف الدول.
بين يدي مداولات القاهرة التحضيرية أجمع الخبراء العرب على أن مؤتمرات المراجعة المعنية بالقضايا الحقوقية ذات الطبيعة الإنسانية، العالمية، كالتي تخص المرأة والمهاجرين والحريات الدينية والعنصرية والتمييز العنصري..، أهم بكثير من المؤتمرات الأصلية الأولية أو المؤسسة.. وهم رأوا أن عوامل نجاح المرافعات والدعاوى العربية في جولة ديربان المقبلة تتعلق بالمصداقية في الطرح والحرفية في المعالجة والدأب على المتابعة والأخذ بمنهجية النفس الطويل